كتبت ختام كميل علي
---
*الدفاع المدني اللبناني: خط الدفاع الأول الذي تُرك وحيداً*
في بلدٍ اعتاد استقبال الأزمات والكوارث بصدرٍ رحب، تُترك مؤسسة بأكملها في الصفوف الأمامية دون الحد الأدنى من مقومات الاستمرار.
*إنه الدفاع المدني اللبناني*
حيث لا يقتصر الأمر على شحّ المباني أو الآليات والتجهيزات، بل يتجاوز ذلك ليطال رجالاً ونساءً يتقدمون نحو الخطر حين يفرّ الآخرون، ليغوصوا في لهيب الحرائق، وينتشلوا الجرحى، وينقّبوا بين الركام، ويواجهون حوادث السير والفيضانات على مدار الساعة.
لكن المفارقة الموجعة تكمن في الواقع الميداني؛ إذ تعاني المراكز من نقص حاد في العديد يضطر بعضها أحياناً للاكتفاء بعنصر واحد في مناوبات قاسية. فكيف لمركز مفترض أن يكون طوق نجاةٍ فوري أن يؤدي مهامه الجليلة بهذه الإمكانيات الضئيلة؟ وكيف للدولة أن تطالب هؤلاء الأبطال باليقظة الدائمة بينما تتركهم في مواجهة رياح العزلة؟
*المتطوعون.. النبض الخفي*
لسنوات طويلة، ظلّ المتطوعون العمود الفقري لهذه المؤسسة؛ يتركون عائلاتهم وأرزاقهم تلبيةً لنداء الواجب الإنساني، عارفين مسبقاً أن دخان الحرائق قد يكون قاتلاً وأن كل مهمة قد تكون الأخيرة. هؤلاء الأبطال ليسوا أرقاماً في دفاتر الإحصاء، بل هم درع الوطن البشري. غير أن السؤال الملحّ لم يعد عما إذا كان المتطوعون مستعدين للتضحية، بل هل الدولة مستعدة لحمايتهم وتأمين مستقبلهم الوظيفي؟
في الوقت الذي تفتح فيه أبواب التوظيف أمام قطاعات أمنية عديدة - وهي حتماً تستحق الدعم - يبقى ملف الدفاع المدني معلقاً في مهب التهميش. فالذي يخوض غمار النيران والأنقاض ليستقلّ سيارة إسعاف وسط الزحام، لا يقل شجاعةً عن أي عنصر أمني آخر، وهو بالتأكيد يستحق استقراراً وظيفياً يحفظ كرامته وعائلته.
*ماذا لو توقفوا؟*
إنه السؤال الأصعب والأقسى: ماذا لو قرر هؤلاء المتطوعون التوقف عن الخدمة؟ من سيغطي الفراغ القاتل؟ ومن سيقف إلى جانب المواطن في أصعب لحظات عمره؟ إن الخطر اليوم لا يتهدد المتطوعين وحدهم، بل ينذر بانهيار قدرة الدولة برمتها على الاستجابة للطوارئ والكوارث.
إن الحل لا يكمن في تكريم رمزي أو درع تقديري بعد فوات الأوان، بل يتطلب قراراً شجاعاً وحاسماً يترجم التضحيات إلى حقوق فعلية، ويعزز عديد المراكز وفق معايير شفافة وعادلة لتثبيت المستحقين.
رسالة صريحة تُرفع إلى أصحاب القرار: لا تنتظروا وقوع كارثة كبرى لتبحثوا عن طوق نجاة غائب. فالدفاع المدني ليس مرفقاً ثانوياً نلجأ إليه وقت الأزمات فحسب، بل هو النبض الحي لحماية اللبنانيين. حان الوقت لإنصاف من ضحّوا، فالوقت ينفد، وقبل أن يرتطم الجميع بسؤال لا جواب له:
*من سيأتي لإنقاذنا حين لا يبقى أحد؟*


